محمد متولي الشعراوي

703

تفسير الشعراوي

لهم ذاتية . ولذلك فالقول باتباع الأبناء للآباء كذب لا يمثل الواقع والحق سبحانه وتعالى يرد على هذه القضية لأنها قضية تبريرية لا دليل لها من صدق ، ولا برهان لها من واقع . ويقول سبحانه : « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » أي أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم حتى ولو كان آباؤهم لا يعقلون ولا يهتدون ؟ . إذن ، الرد جاء من ناحيتين ، من ناحية التعقل ، ومن ناحية الاهتداء ، وكل من التعقل والاهتداء منفى عن الآباء في هذه الآية ، فأنتم تتبعونهم اتباعا بلا تفكير ، اتباعا أعمى . والإنسان لا يطيع طاعة عمياء إلا لمن يتيقن صدق بصيرته النافذة المطلقة ، وهذه لا يمكن أن تتأتى من بشر إلى بشر ، فالطاعة المطلقة لا تصح أن تكون لشئ إلا لمنهج السماء ، وحين تكون طاعة عمياء لمن تثق ببصره الشافي الكافي الحكيم ؛ فهي طاعة مبصرة وبصيرة في آن واحد . لأنك تحمى نفسك من خطأ بصرك ، وخطأ بصيرتك ، وتلتزم في التبعية بمن تعتقد أن بصره وبصيرته لا يخطئان أبدا ، عندها لا تكون طاعة عمياء . إذن . فالحق سبحانه وتعالى ينبههم إلى أنه لا يصح أن تقولوا : إنكم تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ؛ لأنه يجوز أن يكون آباؤكم لا يعقلون ، ويجوز أن يكونوا غير مهتدين . لو كان آباؤكم لهم عقل أو لهم اهتداء ، عند ذلك يكون اتباعكم لهم أمرا سليما ، لا لأنكم اتبعتم آباءكم ، ولكن لأنكم اتبعتم المعقول والهدى . وهكذا نجد أن قضية التقليد هي أمر مزعوم ، لأنك لا تقلد مساويك أبدا ؛ ولكنك تتبع من تعتقد أنه أحكم منك ، وما دام مساويا لك فلا يصح أن تقلده في كل حركة . بل يجب أن تعرض الحركة على ذهنك ، ولذلك فتكليف اللّه لعباده لم ينشأ إلا بعد اكتمال العقل بالبلوغ . فهو سبحانه لا يأخذ العقل على غرة قبل أن ينضج ؛ بل لا يكلف اللّه عبدا إلا إذا نضج عقله ؛ ولا يكلفه إن لم يوجد له عقلا ، ولا يكلفه إن لم تكن قوته وراء عقله ؛ فإن كان الإنسان سليم القوة والعقل فإن تكليفه يكون تاما ، فسبحانه لا يكلف إلا صاحب العقل الناضج والذي لديه قدرة تمكنه من تنفيذ ما اهتدى عقله ، أي غير مكره .